راية خفاقة فوق وطن آمن
بحلول الأول من برج الميزان الموافق للثالث والعشرين من شهر سبتمبر لهذا العام 2007م تحل الذكرى السابعة والسبعين لليوم الوطني للمملكة العربية السعودية، وهو اليوم الذي أعلن فيه قيام المملكة العربية السعودية على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، يرحمه الله. وإذا كانت ذكرى اليوم الوطني في أي دولة تحمل دلالات كثيرة، فهي في المملكة العربية السعودية تحمل دلالات أكثر عمقاً وأثراً، نظراً لأنها ارتبطت بذكرى توحيد هذا الوطن التي تجسد تحقيق الوحدة والقوة والأمن والعدل والأمان والطمأنينة والتقدم والحضارة والنظام والعلم وبناء المؤسسات وإقامة المشروعات وتحقيق الإنجازات في الصناعة والزراعة والخدمات وبناء المدارس والمعاهد والجامعات.
لقد كانت البداية قبل 77 عاماً، وتحديداً في الأول من برج الميزان من عام 1351هـ/1932م، حيث سجل التاريخ مولد المملكة العربية السعودية على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، يرحمه الله، بعد مسيرة توحيد دامت اثنين وثلاثين عاماً، انطلقت بعد استرداده لمدينة الرياض، في الخامس من شهر شوال عام 1319هـ الموافق 15 يناير 1902م، وانتهت في 17 جمادى الأولى 1351هـ عندما صدر مرسوم ملكي بتوحيد كل أجزاء البلاد تحت اسم المملكة العربية السعودية، واختار الملك عبدالعزيز يوم الخميس الموافق 21 جمادى الأولى من العام نفسه الموافق 23 سبتمبر 1932م يوماً لإعلان قيام المملكة العربية السعودية.
مولد ونشأة المؤسس
ولد الملك عبدالعزيز في مدينة الرياض عام 1293هـ الموافق 1876م، ونشأ تحت رعاية والده الإمام عبدالرحمن بن فيصل بن تركي بن عبدالله آل سعود، يرحمه الله، وتعلم القراءة والكتابة على يد الشيخ القاضي عبدالله الخرجي، يرحمه الله، وهو من علماء الرياض، فحفظ بعضاً من سور القرآن الكريم، ثم قرأه كله على يد الشيخ محمد بنمصيبيح، يرحمه الله، كما درس جانباً من أصول الفقه والتوحيد على يد الشيخ عبداللهبن عبداللطيف آل الشيخ، يرحمه الله.
وكان الملك عبدالعزيز في صباه مولعاً بالفروسية وركوب الخيل، وعرف بشجاعته وجرأته وإقدامه وخلقه القويم وإرادته الصلبة، وقد رافق والده في رحلته إلى البادية بعد الرحيل من الرياض، وقد أكسبه ذلك جدية وصلابة عود وقوة تحمل بفضل حياة الترحال التي عاشها في بداياته.
وعندما حل الأمير عبدالرحمن بن فيصل بن تركي، يرحمه الله، بالكويت؛ كان عبدالعزيز الإبن في الثانية عشرة من عمره، وقد بقي في الكويت مع والده وأسرته لمدة عشر سنوات، درس خلالها القرآن الكريم وخبر السياسة وإدارة المعارك. وعندما بلغ عمره 26 عاماً، انطلق من الكويت على رأس حملة من أهله وأعوانه صوب الرياض، وكانت الجزيرة العربية في ذلك الوقت تعج بالفوضى والتناحر، وبزغ فجر يوم الخامس من شهر شوال عام 1319هـ الموافق 15 يناير 1902م إيذاناً ببداية عهد جديد، حيث استطاع استعادة مدينة الرياض ليضع بذلك اللبنة الأولى لهذا الوطن، وتسلم مقاليد الحكم والإمامة بعد أن تنازل له والده الإمام عبدالرحمن بن فيصل، يرحمه الله، عن الحكم والإمامة في اجتماع حافل بالمسجد الكبير بالرياض بعد صلاة الجمعة.
بعد ذلك شرع الملك عبدالعزيز في توحيد مناطق نجد تدريجياً، فبدأ في الفترة 1320 - 1321هـ بتوحيد المناطق الواقعة جنوب الرياض بعد انتصاره في بلدة الدلم القريبة من الخرج، فدانت له كل بلدان جنوب الرياض، الخرج والحريق والحوطة والأفلاج وبلدان وادي الدواسر.
ثم توجه إلى منطقة الوشم ودخل بلدة شقراء، ثم واصل زحفه صوب بلدة ثادق فدخلها أيضاً، ثم انطلق إلى منطقة سدير ودخل بلدة المجمعة.
وبهذا الجهد المتواصل تمكن الملك عبدالعزيز من توحيد مناطق الوشم وسدير وضمها إلى بوتقة الدولة السعودية الحديثة.
وتمكن الملك عبدالعزيز في الفترة 1321- 1324هـ من توحيد منطقة القصيم وضمها إلى الدولة السعودية بعد أن خاض مجموعة من المعارك منها معركة الفيضة ومعركة البكيرية ومعركة الشنانة وانتصاره في معركة روضة مهنا في 18 صفر 1324هـ الموافق 14 أبريل 1906م وهي إحدى المعارك الكبرى الحاسمة.
مملكة موحدة
اسم واحد هو «المملكة العربية السعودية» وأن يصبح لقب الملك عبدالعزيز «ملك المملكة العربية السعودية». واختار الملك عبدالعزيز في الأمر الملكي يوم الخميس 21 جمادى الأولى 1351هـ يوماً لإعلان توحيد المملكة العربية السعودية، وهو اليوم الوطني.
واختارت الدولة السعودية في عهد الملك عبدالعزيز شعار الدولة الحالي «سيفان متقاطعان بينهما نخلة». أما العلم فأصبح لونه أخضر مستطيل الشكل تتوسطه شهادة التوحيد «لا إله إلا الله محمد رسول الله» باللون الأبيض وتحتها سيف باللون الأبيض.
بناء الدولة وتوزيع المسؤوليات
حرص الملك عبدالعزيز منذ البداية على تنظيم دولته الحديثة على أساس من التحديث والتطوير المعاصر، فوزع المسؤوليات في الدولة وأسس حكومة منطقة الحجاز بعد ضمها وأنشأ منصب النائب العام في الحجاز وأسند مهامه إلى ابنه الأمير فيصل، يرحمه الله، وكان ذلك عام 1344هـ/1926م، كما أسند إليه رئاسة مجلس الشورى، وفي 19 شعبان 1350هـ الموافق 30 ديسمبر 1931م صدر نظام خاص بتأليف مجلس الوكلاء، وأنشأ الملك عبدالعزيز عدداً من الوزارات، وأقامت الدولة علاقات دبلوماسية وفق التمثيل السياسي الدولي المتعارف عليه رسمياً، وتم تعيين السفراء والقناصل والمفوضين والوزراء لهذه الغاية.
توطين البدو
ومن أهم منجزات الملك عبدالعزيز تنفيذ أول مشروع من نوعه لتوطين البدو، فأسكنهم في هجر زراعية مستقرة وشكل منهم جيشاً متطوعاً يكون تحت يده عند الحاجة، كما عمل على تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية فوجه عناية واهتماماً فائقين بالتعليم، حيث فتح المدارس والمعاهد وأرسل البعثات إلى الخارج وشجع طباعة الكتب خاصة الكتب العربية والإسلامية، واهتم بالدعوة الإسلامية ومحاربة البدع والخرافات، وأنشأ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمر بتوسعة الحرم النبوي الشريف، وقد شرع في ذلك عام 1370هـ/ 1951م، ووفر الماء والخدمات الطبية والوقائية لحجاج بيت الله الحرام.
البنية التحتية
وفي عام 1357هـ/1938م استخرج البترول بكميات تجارية في المنطقة الشرقية مما ساعد على ازدياد ثروة البلاد ومن ثم تقدمها وازدهارها، وأنشئت مؤسسة النقد العربي السعودي «ساما» بعد أن بدأت العملة السعودية تأخذ مكانها الطبيعي بين عملات الدول الأخرى، واشترت الدولة الآلات الزراعية ووزعتها على المزارعين للنهوض بالزراعة، وأنشئت الطرق البرية المعبدة، وتم مد خط حديدي ليربط الرياض بالدمام، وربط البلاد بشبكة من المواصلات السلكية واللاسلكية، ووضع نواة الطيران المدني بإنشاء الخطوط الجوية العربية السعودية عام 1945م، ومد خط أنابيب البترول من الخليج العربي إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط، وافتتحت الإذاعة السعودية عام 1368هـ/1949م.
كذلك اهتم الملك عبدالعزيز بمحاربة المرض وتوفير الخدمات الصحية، فأنشئت المستشفيات والمراكز الصحية في العديد من مدن المملكة العربية السعودية، ووضع نظام للجوازات السعودية وغيرها من المرافق العامة ذات الصلة بالمجتمع.
أمن الحجيج
كانت الحالة الأمنية في شبه الجزيرة العربية قبل الملك عبدالعزيز في أوضاع يرثى لها من التسيب والانفلات، وكانت طرق الحج تعج باللصوص وقطاع الطرق الذين كانوا يهاجمون قوافل الحجاج ويسلبونها ويعتدون عليها، وكان الحج في تلك الأيام مغامرة لا يدري الحاج معها ما إذا كان سيعود من حجه سالماً أم لا.ولقد عجزت الدولة العثمانية عن تأمين سلامة الحجاج لدرجة اضطرت معها إلى تسيير قوات عسكرية مع قوافل الحجاج، ومع هذا فقد كانت هذه القوات نفسها تتعرض للاعتداء، وعمدت الدولة العثمانية إلى أسلوب آخر لحماية الحجاج وهو دفع «إتاوات» من النقود الذهبية لقطاع الطرق لكي يتركوا قوافل الحجاج تمر بسلام، ومع هذا كانت تقع تلك الاعتداءات.
وجاء الملك عبدالعزيز وأعلن تطبيق شريعة الله، وهي شريعة الأمن والأمان للمجتمع الإسلامي، وبهذا التطبيق قضى على عصابات اللصوص وقطاع الطرق، واجتثت شرورهم من جذورها.
التضامن الإسلامي
يمكن القول إن السياسة التي رسمها الملك عبدالعزيز، وصارت إحدى السمات المميزة لثوابت السياسة السعودية، هي العمل على وحدة كلمة المسلمين والتضامن فيما بينهم ومواجهة أعدائهم صفاً واحداً والتعاون والتكافل. وفي هذا قال، يرحمه الله؛ إن أحب الأمور إلينا أن يجمع الله كلمة المسلمين، فيؤلف بين قلوبهم، ثم بعد ذلك أن يجمع كلمة العرب، فيوحد غاياتهم ومقاصدهم ليسيروا في طريق واحد يوردهم موارد الخير.
شخصية الملك عبدالعزيز
كان يملك خبرة واسعة بشؤون دينه، فقد حفظ القرآن الكريم وكثيراً من الأحاديث النبوية الشريفة، وألم إلماماً واسعاً بالأحكام الشرعية ووضعها موضع التطبيق فيما أولاه الله من السلطان، وظل طوال حياته يجتمع كل ليلة مع العلماء والفقهاء حيث تُقرأ كتب العلوم الدينية ويدور الحديث حولها بينه وبين جلسائه.
كان حكيماً يُعمل عقله في كل حركة من حركاته، ولكل خطوة عنده حساب دقيق، يقلب الأمور على وجوهها ثم يختار الطريق الذي يراه أفضل الطرق.
كان شجاعاً إلى درجة كبيرة، فلا يتردد في خوض المعارك إذا اضطر لها مهما كانت قوة خصمه وعدده وعدته. كان قائداً عسكرياً موهوباً يجيد رسم الخطط الحربية وتنفيذها.
كان خبيراً بالمجتمعات البدوية والحضرية في شبه الجزيرة العربية، وعلى خبرة واسعة بالقبائل وأنسابها بحيث يعرف قبيلة مخاطبه من أول جملة ينطق بها، ومن موقع هذه الخبرة كان يتعامل مع الناس حسب المجتمع الذي ينتسبون إليه بدوياً كان أم حضرياً. وكان اهتمامه يشمل الجميع، والناس أمامه سواسية حتى يبلغ الحق مستقره.